عربي English
آراء ومقالات

دينا عبد الفتاح

الحوار المفقود بين أجهزة الدولة

ألوم كثيراً على كل من يتحدث عن مصر بتشاؤم، فقد تغلبت الدولة على ابجديات المنطق وتحملت فى 6 سنوات ما لا يمكن لأحد تحمله، بل ونفذت برنامجاً للإصلاح الاقتصادى والاجتماعى لم تكن معطياته متوفرة على أرض الواقع. ولكنى التمس العذر للمتشائمين فى وجود معادلة فريدة من نوعها فى مصر متمثلة فى أننا نفذنا كافة مقومات الانجاز ولكنه لم يتحقق بعد!

السبب الرئيسى هو الحلقة المفقودة فى دائرة الحوار بين أجهزة الدولة المختلفة، فتارة كنا نعانى من التنسيق بين السياسات المالية والنقدية ونجحنا فى إنشاء مجلساً للتنسيق بينهما، لتطفو على السطح مشكلة أخرى وهى غياب التنسيق بين سياسات التخطيط، وسياسات الاستثمار، ويتطور الأمر للخلاف بين سياسات الإنتاج وسياسات الاستهلاك.

كل هذه الأمور مجتمعة أثرت على التناغم بين أجهزة الدولة وغابت لغة الحوار، لتبتعد النتائج عن الأهداف، وهنا أهمس فى أذن صناع القرار بضرورة التنسيق وإطلاق حوار مفتوح ومنظم لأن التوقيت الزمنى الذى نعيشه لا يحتمل الأخطاء أو التجارب.

لوغاريتم الصادرات

الصادرات لوغاريتم جديد لم ننجح فى صياغة حل له، الصين ثانى أكبر اقتصاد فى العالم خفضت قيمة عملتها، ومنحت مزايا استثمارية للمنتجين ووفرت لهم التمويل بمعدلات فائدة منخفضة فاقتحمت أسواق العالم وأصبح اسمها محفوراً فى كل شبر من الكرة الأرضية، الزيادة السكانية لها لم تكن مشكلة ولكنها كانت مدخلاً متميزاً لتحقيق مزيد من النمو والتطور.

أما نحن فنفذنا ما نفذته الصين بتحرير أسعار الصرف وانخفاض قيمة العملة، وإطلاق مبادرات البنك المركزى لتمويل القطاعات المؤثرة بفائدة منخفضة، وأصدرنا قانون الاستثمار بحوافز متعددة، وأعلنا تخصيص الأراضى بالمجان فى الصعيد.

وعلى الرغم من كل ذلك لم نزد سوقاً واحداً عن أسواقنا التى نصدر إليها، ولم تنم صادراتنا بأكثر من المستويات المعتادة (15%) بل وظللنا ننافس على استحياء فى السوق العالمى، على الرغم من امتلاكنا كل مقومات المكسب، وهنا لابد أن نقف وقفة ونعيد ترتيب الأوراق فى بيت الصناعة والتصدير والبحث عن المشاكل التى أضعفت مكاسبنا، فالمساندة التصديرية المتأخرة للشركات لابد أن تحل بتوافق بين وزير الصناعة ووزير المالية، وعدم فعالية مكاتب التمثيل التجارى الخارجية لابد أن يعاد هيكلتها وتدريب كوادرها، بينما ضعف الهياكل الإنتاجية للشركات لابد من معالجته عن طريق توفير الدعم الفنى من الدولة والتوسع فى الاهتمام بالبحث والتطوير، واستيراد التكنولوجيا المتقدمة من الخارج.

الاستثمار الضائع

مشكلة أخرى تتعلق بالاستثمار الأجنبى المباشر، فلم نفلح فى استعادة مستويات الاستثمار الأجنبى الوافدة لمصر قبل ثورة يناير بالرغم من الكم الهائل من الحوافز وفى مقدمتها توافر الفرص المربحة نتيجة الكم الهائل من المشروعات التى أطلقتها الدولة، وتراجع قيمة الجنيه بأكثر من 100% والقضاء على ظاهرة «سعرى الصرف».

لذا لابد من إعادة ترتيب بيت الاستثمار والبحث عن لغة جديدة ومفردات مبتكرة حتى نقنع بها العالم للاستثمار فى مصر بدلاً من تركيزنا على مجموعة من الصور التى تتناثر بين صفحات الجرائد هنا وهناك لتحكى أمجاد بعيدة عن أرض الواقع!

مربع الخروج الآمن

المسئولون الناجحون لابد وأن يتمسك بهم الشعب قبل القيادة السياسية، بينما الذين أخفقوا فى مهامهم لابد وأن يرحلوا وأن يفسحوا المجال أمام قيادات تنفيذية جديدة تستطيع صناعة الفارق على أرضية مكتظة بالحوافز والمعطيات التى تدفع للنجاح.

وينبغى أن يوازن كل الوزراء فى حديثهم بين التضحية المطلوبة من «المستمعين» والعائد المتوقع لهم، فلا يجوز أن أقنع شخصاً ببساطة الموت وهو غير مقتنع بوجود الجنة!

تجارب الدول أثبتت أن الخروج الآمن من أى أزمة اقتصادية عبارة عن مربع ضلعه الأول وضع خريطة متكاملة للاستثمار والإنتاج والتشغيل، والثانى يرتبط بصياغة جدول زمنى واضح ومحدد لهذه الخطة، بينما يرتبط الضلع الثالث بتحديد التضحيات التى ينبغى أن يتحملها الشعب، والرابع هو المكاسب والحوافز المنتظر أن يحصل عليها المواطن نظير تحمله للتضحيات.

وبالتالى فالإخفاق فى أى مهمة من هذه المهمات يترتب عليه عدم الخروج الآمن من الأزمة، بل وتعاظمها وامتدادها لمجالات جديدة لم تكن فى الحسبان، وهذا ما نعانى منه فى مصر منذ عقود طويلة لم نملك فيها تجربة نجاح مكتملة، ونداوم على تكرار البداية ولكن كل مرة بشكل مختلف.

أعلم من خلال لقاءاتى بالمسئولين رفيعى المستوى فى الدولة أن الجزء الأصعب فى برنامج الإصلاح الاقتصادى قد انتهى ولم يتبق سوى تفاصيل بسيطة، وعلى الرغم من ذلك لم يكلف مسئول نفسه عناء إيجاد طريقة مبشرة لزف هذه الأخبار للمواطنين، وكل ما نواجه به الجمهور هو مطالبتهم بمزيد من التحمل لأعباء قرارات تم اتخاذها بالفعل.

وهذا يدفع كثيراً من المواطنين لحالة التشاؤم واليأس ويفقدهم الأمل فى المستقبل والحاضر معاً فى ظل ماض لم يكن ناجحاً!

التعليقات

لا توجد تعليقات.

أضف تعليق

سجل الدخول لتتمكن من التعليق

  • آراء ومقالات
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقاً

إستطلاع الرأي

ما رأيك بخدمات الموقع؟
عرض النتائج