عربي English
آراء ومقالات

دينا عبد الفتاح

الغاية لا تبرر الوسيلة

من لا يؤمن بالعمل الجماعى متهور وأفضل مزاياه مصيبة، لفت نظرى مجموعة من المشاهد الوزارية خلال الأسابيع الماضية التى تؤكد أن هناك تداخلات تستحق وقفة بين مهام بعض الوزارات، وأن هناك تصرفات لا يفهمها الرأى العام بسهولة وتُحدث ارتباكاً فى تفسير بعض المشاهد المبالغ فيها والتى تعتبر بالنسبة لدولة بحجم مصر أكبر إحراج، فكيف نطلب من الجماهير أن يعملوا معاً، ونحن كقادة نعمل كل فى اتجاه؟!

وأتساءل هل يتصرف بعض الوزراء دون الرجوع للبروتوكول المنظم لمهام الوظائف رفيعة المستوى أو العادات والتقاليد والأعراف الإدارية التى تطبقها دولة بحجم مصر، فيأتون بتصرفات غريبة أبسط ما يمكن أن توصف به المقولة السائدة «الغاية تبرر الوسيلة».. ولأننا لا يمكن أن نوصف بأننا دولة «مكيافيلية» تكون دائماً خسائر هؤلاء أكبر بكثير من المكاسب التى يحققونها.

والسؤال الذى يطرح نفسه هل من الجائز أن نزج بوقار منصب هام يحمل اسم مصر، فى سبيل دخول بضعة ملايين من الدولارات فى الاقتصاد؟ لو كانت الأمور تتعلق بأشخاص بعينهم لكان الأمر هيناً، ولكن لكونها تتعلق بدولة بحجم مصر فإن الأمور تحتاج إلى مراجعة.

ويبقى دائماً مقياس النجاح هو قدرة الشخصيات على أن تعمل وتُقدر قيمة العمل الجماعى، والتاريخ يزخر بالمواقف والتجارب التى تؤكد أن هذا الفكر هو الذى يخرج الدول من أزماتها ويضعها على طريق صناعة النماذج العظيمة.

فعندما أراد الاقتصادى العالمى «كينز» أن يزيد معدلات الإنفاق فى الاقتصاد الأمريكى بعد الكساد العظيم فى 1932 طبق نموذجاً لقن فيه الشعب الأمريكى درساً قاسياً، عندما قام بطباعة نقود جديدة، ووزعها على الأفراد بعد أن قسمهم لفريقين، الأول يحفر فى الصحراء، والثانى يسد هذه الحفر، وقسم كل فريق لمجموعات فرعية، عمل كل منها يؤدى للأخرى، وذلك بهدف تعليم الأفراد النظام، وفكرة العمل الجماعى، وتعليمهم كذلك أنه لا يوجد شىء بدون مقابل !

وهنا تعلم الشعب الأمريكى الدرس جيدًا ، وأصبح هذا الشعب بعد «الكساد» بفضل الفكر الجماعى أكبر قوة فى العالم تنتج وتسيطر وتسود.

ابتكار "البديل"

وكما نواجه نماذج تحتاج إلى وقفة تصحيحية نقابل نماذج أخرى تحتاج إلى إشادة وتقدير، لكونها تبعث بالأمل والتفاؤل ، وتؤكد أن هذه الدولة تملك كوادر قادرة على بناء مستقبل أفضل.

فالفكرة التى طبقتها الدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإدارى بإعلان الوزارة عن استحداث منصب «الوزير الموازى» الذى يتولاه أحد وكلاء الوزارة ليقوم بتسيير الأعمال فى أوقات غياب الوزيرة الحالية، نموذج يحتذى به فى بناء قاعدة للتقدم تستند إلى أعلى معايير التحوط ضد كافة المخاطر.

وهذه الفكرة التى جاءت من إحدى قامات الفكر الاقتصادى فى مصر ، ومعلمة أجيال من الناجحين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ، تدعم «دولة المؤسسات» وتربط سير العمل بالخطة لا بالشخص الذى يقود، من خلال وجود أو صناعة «بديل» للوزير الذى من الممكن أن يرحل عن منصبه فى أى ظروف ، تاركاً مهام لابد أن تؤدى ومصالح لابد وأن تسير.

فدائماً ما تعانى الوزارات فى مصر من اختلالات كثيرة تصل لمرحلة «التوقف عن العمل» فى أوقات التعديلات الوزارية، أو تشكيل الحكومات الجديدة، لحين دخول الوزير الجديد إلى مكتبه، وقراءة ملفات الوزارة ودراستها، حتى يتمكن من مزاولة نشاطه ، وهذا حقه الذى لا ينكره أحد عليه.

ولكن فى هذه المرحلة تتعطل مصالح الكثيرين، ويضيع الوقت بلا أدنى داع ، نتيجة عدم وجود شخص يملك الصلاحيات الكاملة للقيام بدور الوزير. وبالتالى فهذه الفكرة وضعت حداً لمأساة مؤقتة تشهدها كافة الوزارات، بما يستوجب تطبيقها على نطاق أوسع ، وأن يتم تعميمها على كافة الوزارات والمؤسسات التى تعمل بداخل الدولة، وأن يتم تطوير أفكار شبيهة تضمن عدم تعطل مصالح الجماهير بتغيير أو غياب السادة الوزراء!

الشعب المبدع

الإبداع هو أن تنظر إلى ما ينظر إليه الآخرون لتكتشف شيئاً مختلفاً فيه، فالشعب الألمانى أبدع فصنع التكنولوجيا، وتبعه الشعب اليابانى فطورها وأدخل إليها مجالات جديدة، فيما أبدع الشعب الصينى وطوع هذه التكنولوجيا غالية الثمن، ليبيعها للفقراء، هكذا نجح المبدعون وتقدمت اقتصادياتهم، وارتقت مستوياتهم المعيشية والفكرية، حتى نعتهم الجميع بـ «العالم المتقدم».

وأصبحت فكرة «الشعب المبدع» اليوم هى المحرك الأول والأسرع للنمو الاقتصادى المستدام الذى يبحث عنه العالم، واهتمت كثير من المؤسسات الدولية بقياس درجة «الإبداع» لدى الشعوب المختلفة، حتى تتمكن من التنبؤ بمستقبلها الاقتصادى والاجتماعى والسياسى أيضاً.

وحتى نتحول فى مصر إلى شعب مبدع، علينا إعادة تنظيم أفكارنا، والبحث عن الفرص فى باطن الأزمات، والتخلى عن بعض المعتقدات التى رسخناها فى أذهاننا والتى قادتنا لمزيد من العشوائية، وغياب النظام، فى كافة جوانب الحياة.

فالشعب المبدع يطبق الحكمة السماوية المتضمنة «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، تجده منظماً لا يتحرك وسط الفوضى ، مُحترماً لاحترامه للقوانين؛ لا يتعامل وفقاً للأهواء والغرائز فقط إنما يُعمل العقل ويحترم المنطق ولا يعيش بأسلوب عشوائى تفرضه الظروف أو المواقف.

هذا الشعب لا يترك الأمور للصدفة، ويتحوط قبل المخاطر، تنخفض فيه معدلات الإرهاب والعنف وترتفع فيه معدلات التكنولوجيا والعلم، يتقن العمل ويؤمن بأنه أحد أسباب الحياة، يجتهد لتقرير مصيره ويعمل دائماً حتى يجعل الوجود أجمل.

ولو نظرنا عن كثب لتجربة النمور الآسيوية، أو لتجربة دول «بريكس»، نجد أن الاستثمار فى البشر، وتغيير الفكر وتطويره، كان العامل المشترك فى بدايات عمل كل قائد مع دولته، حتى يتغلب على التقليدية التى تؤدى لمزيد من التخلف، وحتى يصنع دماءًا جديدة تضخ فى شرايين الاقتصاد لتحوله من حالة الركود والكسل إلى الانطلاق والتقدم.

التعليقات

لا توجد تعليقات.

أضف تعليق

سجل الدخول لتتمكن من التعليق

  • آراء ومقالات
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقاً

إستطلاع الرأي

ما رأيك بخدمات الموقع؟
عرض النتائج