عربي English
آراء ومقالات

دينا عبد الفتاح

هل يتدخل الرئيس لحماية الصناعة؟

فى أوقات الأزمات تقيد الدول وارداتها من كافة السلع، وتسمح بمرور «حد الكفاف» حتى توفر العملة الأجنبية، وفى المراحل الأولى للتنمية تلجأ الدول لتحفيز صناعتها الوطنية، وتعمل على توسيع فرص بيعها فى السوقين المحلى من خلال تقييد الواردات، والخارجى من خلال الحصول على إعفاءات جمركية، وتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية ومتعددة الأطراف.

وفى مصر تزامن وقت الأزمة المتعلق بضرورة إعادة بناء الاحتياطى النقدى الأجنبى، ودعم عرض الدولار، مع المراحل الأولى لعملية التنمية الشاملة التى تخطط لها الدولة وتعتمد فى المقام الأول على الثورة العمرانية، الأمر الذى يفرض على الحكومة دعم كافة الصناعات الوطنية التى تدعم هذه الثورة العمرانية واستغلال كافة الأدوات المشروعة محلياً وعالمياً لإعلاء صوت المُنتج المحلى على المُنتج الأجنبى.

وقد شاهدنا منذ بداية يونيو الماضى دعم الحكومة المباشر لصناعة الحديد من خلال فرض رسوم حماية على واردات الحديد القادمة من عدة دول أبرزها الصين وتركيا وأوكرانيا، حتى ترفع أسعار هذه الواردات فى الداخل، وتعطى فرصاً أكبر للشركات الوطنية لتكون المورد الرئيسى لاحتياجات السوق لتحقق أكثر من هدف فى آن واحد فيما يتعلق بالإنتاج والنمو والتشغيل.

وكان هذا الإجراء محمودًا ليس فقط من جانب مصنعى الحديد ولكن من جانب أى عاقل ينظر لمرحلة استثنائية تمر بها الدولة وتحاول خلالها أن تحدث التنمية وتقوى الصناعة الوطنية وتدعم قيمة عملتها المحلية وتحافظ على احتياطيها النقدى.

وتتبنى الحكومة حالياً اتجاهاً لإلغاء رسوم الحماية من على واردات الحديد وهنا لابد من طرح أكثر من سؤال ..لصالح من هذا التوجه؟، هل لصالح مستورد يمارس ضغوطاً؟ أوعلاقات سياسية يمكن أن تتأثر بهذا التوجه؟وهل من المنطقى أن نستورد منتج يمكن تصنيعه محلياً بجودة عالية؟، هل من الطبيعى أن تكون الدولة بهذا التساهل فى اتخاذ إجراء يؤثر سلباً على صناعة رائجة يمكن أن تدعم الاقتصاد؟، أين يحدث ذلك وفى أى دولة حول العالم؟!

فى كل الأحوال اعتدنا من رئيس الجمهورية أنه يُعلى مصالح المصريين على أى طرف آخر، ونناشده أن يستعرض هذا الملف بأكمله قبل أن تتخذ فيه أى قرارات تنفيذية من شأنها المساس بصناعة وطنية هامة، وكذلك التأثير على إجراءات إصلاح مالى ونقدى اجتهدت الدولة فى تنفيذها بتكلفة باهظة، حيث أن الوقت غير مناسب للتجارب، لأن طموح هذا الوطن يعود لمكانته العالمية فى أقرب وقت ممكن.

مكاسب تقييد الاستيراد

المعادلة بسيطة للغاية يمكن تطبيقها على العام المنتهى 2016، السوق المصرى استهلك فى هذا العام 10.3 مليون طن حديد، منها 8.6 مليون طن إنتاج محلى، و1.7 مليون طن مستورد من الخارج بقيمة مليار دولار تقريباً. مصانع الحديد المصرية لديها فائض غير مستغل فى طاقتها الإنتاجية (2.8 مليون طن) نتيجة إنتاجها 8.6 مليون طن، وبلوغ طاقتها القصوى 11.4 مليون طن.

المنطق والاقتصاد معاً يحتما ضرورة تقييد واردات الحديد، حتى تتمكن شركات الحديد المحلية من زيادة إنتاجها لاستغلال فائض الطاقة الإنتاجية المتوفر لديها، مع ضرورة توفير كافة وسائل الدعم لتقويتها أمام المصدرين الأجانب.

وإلى جانب ذلك ينبغى تشديد الرقابة لمنع أى ممارسات احتكارية من قبل الشركات المحلية، وإلزام المنتجين بلعب دورهم الوطنى المتوقع من مستثمرين مسئولين واتصور أن هذا الأمر يمكن تحقيقه والسيطرة عليه، خاصة أن الجميع يدرك الآن أهمية التكاتف من أجل إعلاء مصالح الدولة.

عوائد هذا التقييد تتمثل فى، توفير مليار دولار من العملة الصعبة، كانت توجه لاستيراد الحديد، وزيادة الناتج المحلى الإجمالى لمصر بقيمة مليار دولار - منقوصاً منها السلع الوسيطة – بما يدعم معدلات النمو الاقتصادى، وتوفير فرص عمل جديدة فى شركات الحديد المحلية، بالإضافة لفرص عمل غير مباشرة فى القطاعات المرتبطة كالنقل والخدمات الأخرى.

واستجابة لهذا المنطق، اتخذت وزارة التجارة والصناعة القرار الداعم لصناعة الحديد المحلية فى مطلع يونيو الماضى، وفرضت رسوم مكافحة إغراق مؤقتة لمدة 4 أشهر على واردات الحديد من تركيا والصين وأوكرانيا، وتقدم بعض المتضررين من القرار وعلى رأسهم المستوردين، والمطورين العقاريين وشركات المقاولات، بشكاوى للحكومة لإلغاء هذه الرسوم، وترددت أنباء مؤكدة حول نية الحكومة إلغاء هذه الرسوم للاستجابة لشكاوى المتضررين، ونتيجة لاستغلال شركات الحديد المحلية لهذا القرار فى رفع أسعار الحديد بشكل مبالغ فيه.

وهنا تكون المعادلة بسيطة يمكن من خلالها الكشف حول ما إذا كانت شركات الحديد قد استغلت هذا القرار فى وضع زيادات غير مبررة لأسعار منتجاتها من عدمه.

هل الشركات المصرية مدانة؟!

أسعار الحديد زادت بمتوسط 1305 جنيه للطن منذ اتخاذ القرار وحتى 8 أغسطس الجارى، وخلال هذه الفترة زادت تكلفة إنتاج الحديد بمتوسط 1873 جنيه للطن، 77% منها بسبب ارتفاع أسعار الخامات عالمياً بما يوازى (1442 جنيه).

هذه المؤشرات تؤكد أن زيادة أسعار الحديد لا تغطى الزيادة التى حدثت فى أسعار الخامات وحدها، وتغطى 70% فقط من الزيادة فى إجمالى تكلفة الإنتاج، وبالتالى لم تستغل شركات الحديد المحلية قرار فرض رسوم الحماية فى زيادة أسعار منتجاتها بشكل مبالغ فيه، خاصة لو علمنا بأن سعر تصدير الحديد التركى للسوق المصرى ارتفع بـ 110 دولار للطن الواحد، (1952 جنيه) تقريباً، بما يعنى أن الزيادة فى سعر تصدير الحديد تخطت الزيادة التى طبقتها الشركات المحلية!

خلاصة القول أنه لا يجوز للحكومة أن تفكر ولو مجرد تفكير فى إلغاء رسوم الحماية المفروضة على واردات الحديد، وذلك فى ضوء النتائج الواردة فى التحليل السابق، والتى تم الاعتماد فيها على مجموعة من البيانات الرسمية الصادرة عن جهات حكومية، وعن غرفة الصناعات المعدنية باتحاد الصناعات، والتى لا يتوفر أى بيانات مغايرة أو مخالفة لها.

ولابد أن نتحرك معاً لتوطين الصناعات الاستراتيجية فى الاقتصاد وخاصة صناعة الحديد وصناعة الأسمنت اللتان يعدان «عصب» عملية البناء والتعمير التى تمثل مرتكز رئيسى للنمو الاقتصادى خلال الفترة الحالية، ومحرك رئيسى للإنتاج والتشغيل فى الاقتصاد، بالإضافة إلى الصناعات الرئيسية الأخرى التى يمكنها إحداث الفارق فى الاقتصاد، حيث ينبغى إعداد قائمة بهذه الصناعات ودراسة أوضاع كل صناعة منها تمهيداً للبدء فى ثورة حقيقية لتنشيطها، وذلك من خلال مجموعة عمل يشرف عليها رئيس الجمهورية بنفسه لضمان جدية العمل، ويشارك فيها رئيس الحكومة والسادة المعنيين من الوزراء.

الصين، ماليزيا، البرازيل، الهند، سنغافورة، وكل التجارة التنموية حول العالم لم تنهض إلا بنهضة صناعتها، ولم تبنٍ صعودها الاقتصادى على أى قطاع بخلاف القطاع الصناعى الذى يمثل أكبر قيمة مضافة فى الأنشطة الاقتصادية المختلفة، ويعد المصدر الأكبر والرئيسى للعملة الصعبة فى هذه الدول من خلال التصدير للخارج، هكذا تقدمت الأمم، وهكذا ينبغى أن نفعل!

التعليقات

لا توجد تعليقات.

أضف تعليق

سجل الدخول لتتمكن من التعليق

  • آراء ومقالات
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقاً

إستطلاع الرأي

ما رأيك بخدمات الموقع؟
عرض النتائج